قضت المحكمة المدنية في دبي بإشهار إعسار رجل عربي بعد ثبوت عجزه التام عن سداد ديون مصرفية بلغت 7,319,431 درهماً إماراتياً لصالح جهتين مصرفيتين، وذلك نتيجة تراكم التزامات مالية نشأت عن كفالات تضامنية وقّع عليها بصفته مديراً لإحدى شركات المقاولات التي تعثرت لاحقاً وتوقفت عن السداد، ما أدى إلى انتقال عبء المديونية إلى ذمته الشخصية وعدم قدرته على الوفاء بها.
وتعود تفاصيل القضية إلى أن المدين كان يعمل مديراً لشركة تعمل في قطاع المقاولات، وخلال فترة نشاطها حصلت الشركة على تمويلات وتسهيلات مصرفية بضمانات شخصية منه، ومع تعثر الشركة مالياً وتوقفها عن تنفيذ التزاماتها التعاقدية، بدأت المؤسسات المصرفية بمطالبته بالسداد بوصفه كفيلاً متضامناً، ثم تضاعفت المبالغ المستحقة نتيجة الفوائد والغرامات التأخيرية، ليتراكم إجمالي الدين إلى أكثر من سبعة ملايين درهم، وهو الرقم الذي اعتمدته المحكمة بعد تدقيق مالي رسمي.
ولم تعتمد المحكمة على أقوال المدين وحدها، بل أصدرت في مرحلة سابقة قراراً بفتح إجراءات إعسار وتعيين أمين مختص لتدقيق الوضع المالي بشكل شامل. هذا التدقيق شمل مراجعة الحسابات البنكية لسنوات سابقة، فحص القروض والعقود الائتمانية، الاستعلام عن الملكيات العقارية والمركبات، ومراجعة أي تراخيص تجارية مرتبطة باسمه. النتائج أظهرت خلو ذمته من أصول حقيقية قابلة للتنفيذ؛ فلا عقارات مسجلة باسمه، ولا مركبات ذات قيمة سوقية مرتفعة، كما أن حساباته المصرفية لم تحتوِ على أرصدة كافية لتغطية جزء معتبر من المديونية.
وأشار التقرير الفني الذي أعده الأمين المختص بيّن أن الديون ثابتة ومستحقة لصالح جهتين مصرفيتين، وأن المدين حاول في فترات سابقة إعادة جدولة التزاماته دون نجاح، ما أدى إلى استمرار تراكم الفوائد والرسوم. كما أكد التقرير أن المدين أبدى تعاوناً كاملاً مع إجراءات التدقيق وقدّم المستندات المطلوبة دون مماطلة، ولم يثبت قيامه بإخفاء أموال أو تهريب أصول، بل ثبت أن تعثره المالي ناتج عن التزامات سابقة مرتبطة بنشاطه الإداري وكفالاته الشخصية.
وأكدت المحكمة أن الاستمرار في ملاحقات تنفيذية فردية لن يحقق فائدة عملية في ظل غياب الأصول، وأن المسار الأنسب قانوناً هو إشهار الإعسار وتنظيم العلاقة المالية بين المدين والدائنين ضمن إطار قضائي موحد. الحكم تضمّن اعتماد قائمة الدائنين كما وردت في تقرير التدقيق، وإلزام الجهات المختصة بقيد حالة الإعسار في السجلات الائتمانية، إلى جانب نشر منطوق الحكم في صحيفتين يوميتين لإحاطة الكافة بالوضع القانوني للمدين.

وقال المستشار القانوني المتخصص في قضايا الإعسار والإفلاس الدكتور علاء نصر، الممثل القانوني للمدين، أن هذه القضية نموذجاً متكرراً لحالات التعثر المالي المرتبطة بالكفالات الشخصية للمسؤولين الإداريين في الشركات، حيث ينتقل عبء الديون من الكيان التجاري إلى الشخص الطبيعي عند توقف الشركة عن السداد، مشيراً إلى أن الحكم يبين أن نظام إعسار الأفراد يهدف إلى إعادة التوازن المالي وتنظيم الالتزامات بدلاً من المعاقبة، إذ يتم التعامل مع الديون ضمن إطار قانوني منظم يراعي حقوق المؤسسات الدائنة ويمنح المدين فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه المالية مستقبلاً.
وأضاف الدكتور علاء نصر: يعكس الحكم التطبيق العملي لقانون الإعسار الإماراتي بوصفه أداة لإدارة التعثر المالي للأفراد بطريقة قانونية منظمة، تبتعد عن الأسلوب العقابي وتتبنى منهجاً إصلاحياً يراعي البعد الإنساني والاقتصادي، فقد حرصت المحكمة على التحقق من حسن نية المدين وعدم وجود شبهة تهريب أموال أو احتيال، وهو عامل جوهري في منح الحماية القانونية، كما أظهرت أهمية الدور الذي يلعبه أمين الإعسار باعتباره جهة فنية مستقلة تقدم للمحكمة صورة دقيقة عن الوضع المالي بعيداً عن ادعاءات الأطراف.
